المكتبة » شروح كُـتب السُّنَّة

عنوان الكتاب
النفحة القدسية في شرح الأربعين النووية
وصف الكتاب

أما بعدُ:
هذا كتابٌ سمَّيتهُ «النَّفْحَة القُدُسيَّة»؛ تَيَمُّنًا بحديث: «اطلبوا الخيرَ دهْرَكُم كلَّهُ، وتعرضوا لنفحاتِ رحْمَةِ ربِّكم؛ فإنَّ لله نفحاتٍ من رحمتِهِ يُصيب بها مَن يشاء من عبادِه، وسَلُوا اللهَ أن يَسترَ عوراتِكم، وأن يُؤَمِّن رَوْعاتِكم»، ويتضمن شرح واحدٍ وخمسين حديثًا منتقاةٍ من جوامع كلمه غ، اشتملت على كلماتٍ نافعة، ووصايا جامعة، تحت معانٍ كثيرةٍ في ألفاظ قليلة، وهي مما خصَّ اللهُ به نبيَّهُ غ.
وخرَّج الدارقطنيُّ ـ رحمه الله ـ من حديث ابن عباسٍ ب عن النبي غ قال: «أُعْطيتُ جوامِعَ الكَلِم، واخْتُصِرَ لي الحديثُ اختصارًا»، وحسَّنه السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ، وقال العراقيُّ في تخريج الإحياء (2/367): «إسنادُه جيِّد»، ومن هذه الأحاديث قوله غ: «سَلُوا اللهَ اليقينَ والعافيةَ» رواه أحمدُ عن أبي بكر، فتأمل هذه الوصية الجامعة تجدْهَا محيطةً بخير الدنيا والآخرة؛ (فاليقين مِلاك أمر الآخرة، والعافية مِلاك أمر الدنيا؛ فكل طاعةٍ لا يقينَ معها هَدَرٌ، وكل نعمةٍ لا تصحبُها عافيةٌ كَدَرٌ)، ذكره الإمام الخطابيُّ.
وجمع الإمامُ الحافظ أبو عمرو بنُ الصلاح كتابًا سماه (الأحاديث الكلية)؛ جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يُقال إن مدار الدينِ عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة، فاشتمل مجلسُه هذا على ستةٍ وعشرين حديثًا.
ثم إن الفقيهَ الإمام الزاهد القدوةَ أبا زكريا يحيى النووي ـ رحمة الله عليه ـ أخذ هذه الأحاديثَ التي أملاها ابنُ الصلاح، وزاد عليها تمامَ اثنين وأربعين حديثًا، وسمَّى كتابه بـ(الأربعين)، واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكَثُرَ حفظُها، ونفع الله بها ببركةِ نيَّةِ جامعِها وحُسْنِ قصدِه ـ رحمه الله تعالى.
وقد تكرر سؤالُ جماعةٍ من طلبة العلم والدين مِنِّي عدةَ مراتٍ بعد إلقاء بعض الدروس في الجوامع وخطب الجمع، وزيارتي لبعض المدارس في أكثر من مئة مجلس، بتقديرٍ من الله وفضل، وطلبوا مني تدوين شروح هذه الأحاديث المشار إليها، فاستخرتُ الله تعالى، واستعنتُه في جمع شرحٍ موجزٍ بلغةٍ سهلة وميسَّرة، بعيدًا عن الأُطروحات الأكاديمية، وشرحتُ ما يسَّره الله تعالى من معاني هذه الأحاديث الجامعة والنافعة، وقيَّدتُ ما يَفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها.
وإياهُ أسألُ أن يَمُدَّنِي بعونه وحوله وقوَّته، وأن يُيَسِّرَه لي؛ فإنه يسيرٌ على مَن يسَّره اللهُ عليه، وأن يباركَ لي في جميع ما نتعلَّمُه ونعلِّمُه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ومُوجِبًا لرضوانه العظيم، ونطمع في فضل ربنا؛ فإنه لا طمع إلا في فضلِ كريمٍ قادرٍ، وأن يَخْلُق لنا من التوفيق والبركة أسبابًا، وأفوض أمري إليه كله، وأستعينه على نيل الرضا.
واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمَّنَتْها هذه الأحاديث الكلية، وبيانُ أحكامها مما تَشْتَدُّ الحاجة إليه، واكتفيتُ بذكر موضع الحديث من الصِّحَاح؛ فالمؤلف إمامٌ في هذا الباب، مما يُغْنِي عن ذكرِ صحَّته وقوَّته وضعفِه.
وقد زدتُ على الأربعين ـ اقتداءً بالإمام ابن رجب ـ تسعةَ أحاديثَ، حول استحلالِ المَحارم، وأسباب كثرة الخلاف، وإضافة كلام نفيسٍ حول البِدَعِ، وذكرتُ تفسيرَ تردُّدِ الرَّبِّ في حديث الأولياء لابن تيمية، وبيان حقيقة التوكل، وحقيقة الزهد، وإضافة حديث حذيفة في الفتن والكفَّارات والدرجات، وختمتُها بوصايا يحيى بن زكريا ـ عليهما السلام ـ؛ ليرتبط شرح هذا المبحث بواقع الناس، فهو مبحث عَقَدِيٌّ إيمانيٌّ تربويٌّ.
فجاء واحدًا وخمسين حديثًا، نورًا على نور، يهدي الله لنوره من يشاء، وقد كان شرح هذه الأحاديث من أكبر أُمْنِيَّاتي؛ وقد بدأتُ شرحها في البداية من أجل الانتفاع بها ونشر الخير، ولكن تَكْرَارُ سؤال طلبة العلم والدين شجَّعني على تدوين هذه الشروح، فشاء اللهُ أن يُحقِّقَ لي هذه الرغبةَ بعد عشرين عامًا، وكان الفراغ من شرحها بالواديين المحروسة ـ حفظها الله من كل مكروه ـ في ليلة الأحد الموافق 26/4/1431هـ، وتم هذا الكتاب المبارك بحمد الله وعونه وتوفيقه، وأحتسبه عنده سبحانه، وأعهد إليه ـ قبل المصير إليه ـ أن يحفظَ لي حُسْن النِّيَّة، وأستودعُه إياها، وندعوه مؤمنين مُوقِنِين ضَارِعينَ، ونحن على يقين بسَعَةِ رحمته؛ فبه آمنَّا، وبه أيقنَّا، وعليه توكَّلنَا ـ فهو الحيُّ الذي لا يموت ـ في أن يُحْيِيَ هذه النبتةَ المباركة، وأن يجعلَها تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها، وأن يُوزِعَنِي شُكرَها، مُثْنِيًا بها عليه، مُتَلَقِّيًا لها بالحمد؛ إنه جوادٌ كريم.
بقلم
عبد الرحمن اليحيى التركي

تاريخ النشر
1433/11/7 هـ
عدد القراء
5504
روابط التحميل
تم حجب روابط التحميل مؤقتا للمراجعة


أضف تعليقا:

الاسم:

التعليق:

أدخل الرموز التالية: