الاستشارات » استشارات عامة

كيف يحسنون إلى أمهم الظالمة

منير فرحان الصالح

يا شيخ أرجو أن تفتنا في هذا الموضوع الهام فنحن خمسة أخوة وأخت واحدة جميعنا ولله الحمد من ممن من الله عليهم بالهداية والثبات وحسن الخلق ومحبة الناس إلا انه ما يؤرقنا ويكدر علينا صفو حياتنا هي والدتنا ، نعم هي والدتنا فنحن نعتبرها من الابتلاء ونحن بإذن الله سنصبر ونحتسب إلا انه في بعض الأحيان تزداد هموم الشخص ولا يجد بعد الله إلا أمثالكم جزاكم الله خير ا لجزاء .
والدتنا أيها الشيخ الحبيب فيها جميع الأخلاق السيئة ولا أبالغ في ذلك فهي مكروهة من جميع الناس بلا استثناء لا يوجد لديها صديق ولا عزيز ولا جيران فهم تركوها لسوء أخلاقها فهي ممن أنعم الله عليها بنعمه الكثيرة ولا نريد شيئا أو نطلب شيئا ولكن نريد فقط حنان الأمومة والأبوة فنحن يا شيخ يتامى على الرغم من حياة والدينا وبالذات والدتي فهي أنانية بدرجة فضيعة تحب نفسها كثيرا ولم ولن تؤثر أحد أولادها على محبة ذاتها ونفسها ولو رأت أن ولدها يشارف على الهلاك ، قلبها قاس جدا على أطفالنا وزوجاتنا ولا يرق أبدا إلا لمن يعطيها وحتى من يعطيها فما هي دقائق إلا وتبدأ بالدعاء عليه ، حسودة فهي على الرغم من خيرها الكثير إلا أنها تحسد أولادها على كل شيء ، على ملبسهم ومسكنهم ونعمهم التي أنعم الله بها عليهم وتتمنى زوال ذلك بالإضافة إلا أن لا هم لها إلا أن تحسد الناس الذين هم اعلي منها مستوى وأكثر منها في المال جميعهم محسودون وتقوم بالدعاء عليهم ، كاذبة تكذب في كل شيء ولأي شيء وتحلف بالله أنها صادقة على الرغم من معرفتنا جميعا بكذبها فهي تكذب على الجيران وتكذب على زوجاتنا وتكذب في كل شؤون الحياة ، سارقة هي وابي فعلى الرغم من أن لديها خير كثير ألا أنها قامت بسرقة ذهب زوجاتنا عندما أعطيناها إياه كأمانة ولكنها أنكرت وقالت لقد أخذتموه مني وكذلك جميع إغراضنا وأموالنا التي أعطيناها لها على أساس أن تدخرها لنا أنكرت نكرانا شديدا وقالت لم تعطوني شيئا صبرنا واحتسبنا ذلك عند الله ، بخيلة فيا شيخ اذ لم نرى ولم نسمع بأحد في هذا العالم مثل بخلها ، تصور عندما يكون أحد أولادنا جياع وهو عندهم تخبئ عنه الحليب والأكل وكل شيء وتقول لا يوجد عندنا حتى الماء يا شيخ تحاسبنا عليه والخبز تعده ، كم خبزة أكلنا وكم تبقى وكل حركة صغيرة أو كبيرة في بيت والدي محسوبة علينا فنحن نراعى حق الله في والدتنا ونعطيها ونذهب لزيارتها والسؤال عنها ولكن تدعو علينا في كل صغيرة وكبيرة وعندما يقع احدنا في مصيبة تتشمت علينا ، نحن لا نريد منها شيئا فنحن نزورها إرضاء لله تعالى في قوله ( ولا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ) ولكن يا شيخ حتى هذه الزيارة الأسبوعية لا تسلم من الأذى والتجريح والطعن في شرف نساءنا وأمهات نساءنا ، فما ذا نفعل يا شيخ ؟؟ هل نقاطعها ؟؟ هل نتبرى منها ؟؟ ماذا نفعل ؟؟ لقد تعبنا والله على ما أقول شهيد ، تعبنا من كثر التجريح وأخر ما قامت به هو الشكوى علينا في المحاكم الشرعية والجنائية بحجج مختلفة وجميعها كذب حتى اختنا تطعن في شرفها أمام زوجها وأهله وبشكل فضيع فماذا نفعل إذا دخلت بيت احدنا أحرقته بنار الفتنة

هذه رسالة وصلتني عبر البريد وفقكم الله

أسأل الله العظيم أن يصلح شأن والديكم ، وان يرزقكم حسن البر والإحسان . .
أخوتي . .
كل إنسان ليس له أي دور أو اختيار أو قرار في اختيار والديه . .
الوالديّة إنما يختارها الله تعالى للإنسان بحكمته وعدله ورحمته . .
وهو ( أحكم الحاكمين ) و ( العليم الحكيم ) . . ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . .
إذن .. مهم جداً أن نُدرك هذه الحقيقة التي في موج المشكلات ربما ننساها أو لا نشعر بها كشعور دافع لسلوك إيجابي .. وهي حقيقة : أن اختيار الوالدين ليس هو من اختيارنا نحن ولا هو من دورنا لا من قبيل ولا دبير . .
هذا الإدراك . . سيفتح أمامنا أُفق لابتكار السلوك الإيجابي مع هذاالواقع . .
إخوتي . .
قصّ الله علينا في كتابه قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ( الكافر ) الذي كان يعبد الأصنام والأحجار من دون الله . .
ولو سألتكم : أي جُرم أعظم عند الله ( الكفر به ) أم ( الكذب والبخل والسرقة ) ؟!
حتماً . . ليس ذنب أعظم عند الله من الشرك به . .
ومع ذلك تأملوا خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه وكيف كان يخاطبه :
( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)
انه يخاطبه بلغة الرحمة والترفّق فيناديه بـ ( يا أبتِ ) . .
يقول بعض أهل التفسير : وفي ( أبت ) مَلْحظ دقيق ، فهو يريد أنْ يُثبت أنه وإنْ كان أباً إلا أن فيه حنان الأبوين : الأب والأم . فجاء بالتاء التي تشير إلى الجانب الآخر؛ لذلك نجدها لا تُقال إلا في الحنانية المطلقة ( يَا أَبَتِ )
هكذا يخاطب أبوه بعبارة حانية مترفّقة على أن ( أباه ) رجل مشرك بالله ويعبد من دون الله إلها آخر !
ثم لما رأى أنه لا يستجيب له .. لم يشتمه ولم يصرخ فيه ولم يتأفف منه بل قال : " سلام عليك "
ففارق أباه وقد جعل بينه وبين ( حبل الودّ ) ممدود بلغة ( السلام ) التي ختم بها موقفه مع أبيه . .
إخوتي . .
حين يُبتلى المرء بأبوين - أحدهما أو كليهما - فيه ظلم وعنت وسوء وشطط . .
فليس الحل في التذمّر والتضجّر . .
لأنك يا أخي لم تُدرك على سبيل الحقيقة والواقع مقدار الألم العظيم الذي تحمّلته أمك وأنت بين أحشائها . .
يكفيك أن الله قد قال في وصف ذلك " حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً " !
فحين نلاقي منها مشقة أو سوء أو ضيقا في الخُلق والسلوك . . فالحل هو أن نصبر على ذلك احتساباً وابتغاء مرضاة الله . .
والصبر . . ينبغي أن لا يكون ( خُلقاً ) سلبيّاً في واقعنا . .
فالصبر لا يعني التعايش والتأقلم . . بقدر ما يعني الصبر على ما يكون منها .. . والصبر على ما يجب أن يكون منكم تجاهها . . .
اسمحوا لي أن أسألكم . .
ماذا بذلتم من الوسائل والأساليب والطرق والأسباب في سبيل هداية والدتكم والتأثير عليها لتغيّر من سلوكها ؟!
هل بلغتم الحدّ في بذل الأسباب إلى الحدّ الذي يمكن أن يُقال عنده : أنه لا يفيد فيها شيء ؟!
والله يا أخي . .
لو يشعر الابن أو الابنة بمقدار الهم والغم والألم الذي يصيب الوالدين حينما يكون ولدهما على غير ما أمّلاه فيه !!
فلا يكادان يجدان وسيلة أو سبب إلاّ بذلاه .. حتى لو كان ذلك من دمهما أو على سبيل صحتهما !!
فلماذا إذا انعكس الأمر وصار ( الوالدان ) أو أحدهما على غير ما يؤمّله الأبناء من القدوة .. فلماذا يتألم الأبناء منهما ولا يتألّمان عليهما ؟!
إخوتي ... نصيحتي لكم وبكل صدق :
1 - أن تبذلا كل سبب ممكن للتأثير على والدتكم وتغيير سلوكها إلى الأحسن . . مهما كان الجهد . .
فهي لا تزال ( والدتكم ) وهي باب من أبواب الجنة . . وطريق الجنة طريق شاق . محفوف بالمكاره .
- اهديها بعض أشرطة القرآن وبعض السمعيات المؤثرة . .
- ادخلوا في بيتها بعض القنوات الإسلامية المؤثرة .
- أكثروا لها من الدّعاء في كل حين .
- أعطوها ما تريد من المال .. وأعطوها مع المال غذاء روحياً . .
- أخرجوها من الجو الذي تعيش فيه . . فطالما أن حالكم فيه اقتدار .. خذوها في عمرة إلى بيت الله الحرام أو في رحلة حج . . ومن خلال هذه الرحلة حاولا غرس بعض المفاهيم والقيم في نفسها . .
2 - أن تثقوا بيقين أن صبركم عليها وصبركم على الجهد معها هو من أعظم العبادات وأحبها إلى الله .
فإن الله قرن برّهما بعبادته . . " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحساناً "
لاحظ أن الله يصف العلاقة مع الوالدين ينبغي أن تكون ( إحسان ) بمعنى أن لا تنتظر منهما جزاء فعلك أو عملك .. إلاّ من الله جل وتعالى .
3 - افهموا زوجاتكم وضع والدتكم واطلبوا من الزوجات أن يساعدنكم في هذه المهمة .
والزوجة العاقلة هي التي تسعى في المر الذي يهمّ زوجها سيما فيما يتعلّق ببره وإحسانه لأهله .. لأن بركة هذا العمل تنعكس على حياتهما وحياة الذرية من بعدهما . .
4 - ثقوا تماماً . . أن التغيير ممكن .
متى ما أحسنتم الظن بالله . . ثم أحسنتم وثابرتم على العمل . .
لا تفكرا بحل يكون فيه ( تبري ) أو ( انعزال ) أو ( هروب ) . . لأن هذا الحل هو في ظاهره لمصالحكم ..
لكن الحقيقة أن السعي في إنقاذها وتغيير سلوكها هو الحل لكم ولها . . .
لا أزال أكرر عليكم .. هي ( والدتكم ) . . والبر أمانة في رقابكم . .
عندما تفكّرون كيف تتخلّصون من هذا الواقع .. فلن يكون سلوككم كسلوك من يفكّر كيف يتعامل مع هذا الواقع !
أسأل الله العظيم أن يصلح لكم والدتكم وان يهدي قلبها وان يردّها إليه ردّاً جميلاً . .