الفتاوى » الجهاد والحسبة

لماذا لم يحكم الإمام أحمد بفسخ ولاية مَن ادّعى خلْق القرآن ؟

عبد الرحمن السحيم

بسم الله الرحمن الرحيم فضيلة الشيخ الكريم كنت قد قرأت لكم فتوىع ن رأيكم في أحداث مصر وكان فيما ذكرتموه هناك أن الحاكم إذا طرأ الكفر عليه بعد توليه فإن الولاية لا تنعقد له وتفسخ . وأشكل علي أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما ابتلي في مسألة القول بخلق القرآن وهو القائل : من قال أن القرآن مخلوق فقد كفر " وقد أقام الحجة على ثلاثة من الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق وجادلهم ، ومع ذلك لم يقل بأن ولايتهم الشرعية قد فسخت مع أن الناس كانوا ينتظرون حكمه . فأرجو بيان هذا اللبس وبارك الله فيكم.


وجزاك الله خيرا .

لم أقُل ذلك مِن عندي نفسي ، وإنما نقلته عن أهل العلم ، مثل : إمام الحرمين والقاضي عياض ، وقد حَكَوا الإجماع على ذلك .

وهناك فَرْق بيْن أن يُولّى الكافر ، وبين أن يطرأ عليه الكُفر ؛ فإن الكفر الذي يَطرأ على الإنسان عموما قد يَكون مما يُخْتَلَف فيه ، وقد لا يكون كذلك ، بل يكون واضِحا بيّنا ، ولذلك بايَع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على على السمع والطاعة . قال عُبادة : في مَنْشَطِنا ومَكرهنا ، وعُسرنا ويُسرنا ، وأثَرَةٍ علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تَرو كُفُرا بواحا عندكم من الله فيه بُرهان . رواه البخاري ومسلم .

بل إن مَن أهل العِلْم مَن يرى انفساخ بيعة الحاكم إذا طرأ عليه الفِسق .
قال القرطبي في تفسيره :
الامام إذا نُصِب ثم فَسق بعد انبرام العقد ؛ فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويُخْلَع بِالفِسق الظاهر المعلوم ، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يُقام لإقامة الحدود ، واستيفاء الحقوق ، وحفظ أموال الأيتام والمجانين ، والنظر في أمورهم ، إلى غير ذلك مما تقدم ذِكره ، وما فيه من الفسق يُقْعِده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها . فلو جَوّزنا أن يكون فاسقا أدّى إلى إبطال ما أُقِيم لأجله . ألا ترى في الابتداء إنما لم يَجُز أن يُعْقَد للفَاسِق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أُقِيم له ؟ وكذلك هذا مِثله .
وقال آخرون : لا ينخلع إلاَّ بالكفر ، أو بِتَرك إقامة الصلاة ، أو الترك إلى دُعائها ، أو شي مِن الشريعة ، لقوله عليه السلام في حديث عبادة : وألاّ نُنَازِع الأمر أهله . قال : إلاَّ أن تَروا كُفرا بَواحا عندكم مِن الله فيه برهان .
وفي حديث عوف بن مالك : " لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة " الحديث . أخرجهما مسلم . وعن أم سلمه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إنه يُسْتَعْمَل عليكم أمراء ، فَتَعْرِفُون وتُنْكِرُون ، فَمَن كَرِه فقد برئ ، ومَن أنكر فقد سَلِم ، ولكن مَن رَضي وتَابَع . قالوا : يا رسول الله ، ألا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صَلّوا . أي : مَن كَرِه بِقَلْبِه ، وأنْكَر بِقَلْبه . أخرجه أيضا مسلم . اهـ .

فالإمام أحمد رحمه الله كان يَرى أن القول بِخَلْق القرآن مسألة يَلْزَم قائلها : إقامة الحجة وانْتفاء الموانِع ، خاصة في حقّ الجهّال .

وأما كُفر مَن قام بِتنحية شَرْع الله ، وحكّم القوانين الوضعية ، وزاد على ذلك : حَربا على دِين الله ، فهذا لا يُشكّ في كفره .
هذا إذا لم يكن كافرا أصليا !

وقد يكون الإمام أحمد رحمه الله لم يَحكم بِكُفْر المعتصم ومَن قال بِقَوله بِخْلُق القرآن أنه يَرى أنه لم تُقَم عليه الحجة ، وأنه جاهِل ، بينما نُقِل عنه تكفير قاضي قُضاة المعتصم : ابن أبي دؤاد صَرِيحًا .

أو أن الإمام أحمد لم يكن يَسْتَعْلِن بذلك رَحِمَه الله خَشية الْمَفْسَدَة .
وهذا قد يكون أقرب ، فقد قال الإمام أحمد عن بعض أولئك : عدوّ الله !
ومعلوم أن مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ : عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَجَع عَلَيه قَوله .
قال عليه الصلاة والسلام : مَنْ دَعَا رَجُلا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ . رواه مسلم .

وروى الخلال في كتاب " السنة " من طريق أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ , أَنَّهُ قَالَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الشَّافِعِيِّ كَلَّمَكَ , يَعْنِي : بِحَضْرَةِ الْمُعْتَصِمِ ؟ فَقَالَ : أَخْزَى اللَّهُ ذَاكَ , مَا أُرَاهُ عَلَى الإِسْلاَمِ , فَذُكِرَ عِنْدَهُ بِأَقْبَحِ الذِّكْرِ , وَذَكَرَهُ هُوَ أَيْضًا بِنَحْوِ ذَلِكَ .

وفي رواية للخلال أن الإمام أحمد قال :
وَأَيُّ بَلاَءٍ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الذي كَانَ أَحْدَثَ عَدُوُّ اللَّهِ , وَعَدُوُّ الإِسْلاَمِ فِي الإِسْلاَمِ مِنْ إِمَاتَةِ السُّنَّةِ , يَعْنِي الَّذِي قَبْلَ الْمُتَوَكِّلِ , فَأَحْيَا الْمُتَوَكِّلُ السُّنَّةَ , رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ .
(في المطبوع : أَكْبرَ مِنَ الذمّي)

ومَن نقَلْتُ عنه سابقا حَكى الإجماع .
ومِن الْمُتقرِّر عند أهل العِلم : أن كلام العالِم يُحْتَجّ له ، ولا يُحْتَجّ به .

والله تعالى أعلم .