الفتاوى » الـصَّـــلاة

هل تسقُط صلاة الجماعة عن المُسافِر ؟

عبد الرحمن السحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته جزاكم الله خيرا كثيرا شيخي الفاضل هل فرضية صلاة الجماعة تسقط بحال السفر و كيف تُؤدى بوجود القصر ؟ جزاكم الله خيراً


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا
صلاة الجماعة تسقط عن المسافر ، وتجب إقامة الجماعة لِجَماعة المسافرين ، فإذا كان المسافرون جماعة ، وجَبَ عليهم إقامة الجماعة في مكانهم ، ولا يُصلِّي كل واحد لِوحده ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسافر ويُقيم الجماعة في أصحابه ، وسأل من تخلّف عن الجماعة عن سبب تخلّفه .
فقد روى البخاري ومسلم من حديث عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلا مُعْتَزِلا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلا مَاءَ . قَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ .
وفي رواية : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ .
هذا ما يخص جماعة المسافرين ، أما جماعة البلد فلا تجب على المسافر ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسافر وما نُقِل عنه أنه قصد البحث عن الجماعة في البلد .
قال الخرقي : وَلا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ ، وَلا عَبْدٍ ، وَلا امْرَأَةٍ .
قال ابن قدامة : وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لا جُمُعَةَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ .
قَالَهُ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ ، فَالْجُمُعَةُ أَوْلَى ، وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَافِرُ فَلا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي سَفَرِهِ ، وَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُصَلِّ جُمُعَةً ، وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ ، فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْجُمُعَةَ فِي سَفَرِهِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .
وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِسِجِسْتَانَ السِّنِينَ ، لا يُجَمِّعُونَ وَلا يُشَرِّقُونَ .
وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : أَقَمْتُ مَعَهُ سَنَتَيْنِ بِكَابُلَ ، يَقْصُرُ الصَّلاةَ ، وَلا يُجَمِّعُ . رَوَاهُمَا سَعِيدٌ .
وَأَقَامَ أَنَسٌ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ، فَكَانَ لا يُجَمِّعُ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَهَذَا إجْمَاعٌ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِيهِ ، فَلا يُسَوَّغُ مُخَالَفَتُهُ .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
فإن رسول الله كان يُسافِر أسفاراً كثيرة ، قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته ، وحجّ حجة الوداع ومعه ألوف مؤلفة ، وغزا أكثر من عشرين غزاة ، ولم يَنقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيدا ، بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره ، ويوم الجمعة يُصلي ركعتين كسائر الأيام . اهـ .
والله تعالى أعلم .