الفتاوى » فتاوى متفرّقـة

هل يجوز أن تتنازَل الأخت لأخيها عن نصيبها في الميراث ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

أسعدكَ الله ووفقك ورضي الله عنك ويسّر الله أمورك ووسّع الله عليك بتوسيعك على خلقه
جرت العادة عندنا في القرية أن الإناث يتنازلن عن حقهنَّ في الميراث لإخوتهن الذكور ، ولا يكون التنازل جبريًّا ولكنها عادة مشى عليها الناس وقد توقفت الآن
وبناءً على هذه العادة فإن أمي وخالتي تنازلتا عن كل ورثهما لخالي والوِرث كان عبارة عن أراضي موجودة في القرية وأحد هذه الأراضي بنى خالي عليها بيته
وأيضًا تنازلت عمتي - رحمها الله - لأبي وعمي عن كل نصيبها مِن وِرث والدها والوِرث هو أراضي أيضًا
فبصمت على ورقة وشهِد عليها شهود أنها تنازلت عن نصيبها مِن الأراضي
لكن خالتي وأمي تنازلتا شفهيًا دون أوراق
والسؤال - وفقك الله وأرضاك - ؟
هل يجوز لأمي وخالتي أن تتنازلا عن حقهما في الأراضي ؟
وبالنسبة لعمتي هل كان تنازلها شرعيًّا ؟
إذا كان الجواب أنه لا يجوز التنازل فهل تُحصى كل الأراضي ويتمّ تقسيمها مِن جديد بالقِسمة الشرعية ؟
وماذا عن بيت خالي الذي بناه على أرض في الأصل كانت وِرثًا تنازلت أمي وخالتي عنه ؟
طيب لو كان الجواب أنه يرجِع نصيب عمتي لأبنائها وزوجها ، فهل يجوز أن يتنازلوا لوالدي وعمي وهم متزوجون جميعًا وعندهم أبناء
ووفقك الله ورفع قَدرك ويسّر الله أمورك ورضي الله عنك وأرضاك .

آمين ، ولك بمثل ما دعوت .
مَن تنازَل عن حقِّه أو عن بعض حقّه بِرضا نفسه ؛ فهو حقّ له تنازل عنه ، وهو تنازل مُعتبر شرعا ، إلاّ أن يكون الإنسان في مرض الموت ، أو في مرض مَخُوف ؛ فلا يصح تنازله ، كما لا يصحّ تبرّعه ؛ لأنه يُخشى أن يكون تنازل عند موته ليحرم الورثة ويُضارّ بهم .
قَالَ الْخِرَقي : وَمَا أَعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ .
قال ابن قدامة : وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنَجَّزَةَ ؛ كَالْعِتْقِ، وَالْمُحَابَاةِ، وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْوَقْفِ، وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ، إذَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. وَإِنْ كَانَتْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ ، فَهِيَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . اهـ .
ولا يُشتَرَط رضا الأولاد ، وليس لهم حقّ الاعتراض ولا المطالبة بِما تنازَلَتْ عنه أُمُّهم ؛ لأن الحقّ لها ولا يَعْدُوها ، فلا تستأذن أولادها في تصرّفها في مالها في حال رُشدها
وأما الزوج ، فإن كان رضي فيما سبق ، فليس له حقّ الاعتراض .
وإذا ثَبَت التنازل ؛ فلا يُشْتَرَط أن يكون بأوراق رسمية ، ولا أن تكون الأراضي بأوراق ملكية رسمية ؛ لأن الأوراق الرسمية لإثبات الحقوق وعدم ضياعها .
فإذا ثَبَت بشهادة الشهود العُدول أن " زيدا " مِن الناس تنازل عن حقّه ، فإن هذا كافٍ لإثبات التنازل .
وقد تبرّع أبو بكر رضيَ اللّهُ عنه بِمَالِه كُلِّه ، ولم يُؤمَر بالاستئذان مِن والدٍ ولا وَلَد .
روى الإمام أحمد في " فضائل الصحابة " من طريق نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَعِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَفْضُلَنَّ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَأَخَذْتُ ذَلِكَ الْمَالَ وَتَرَكْتُ لأَهْلِي نِصْفَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ: إِنَّ هَذَا مَالٌ كَثِيرٌ، فَمَا تَرَكْتَ لأَهْلِكَ ؟ قَالَ: قُلْتُ نِصْفَهُ ، قَالَ : وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِمَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ هَذَا مَالٌ كَثِيرٌ، فَمَا تَرَكْتَ لأَهْلِكَ ؟ قَالَ : اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
وسُئل علماؤنا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة :
رجل توفي والده وله ثلاث إخوة وأختان، ولما جاء أخوهم الكبير ليقسم بينهم الميراث قالت له إحدى أختيه: أنا سامحة في حقي لكم، وأنا لا أعلم هل هي سامحت هذه الأخت في حقها استحياء منها أم سامحت عن طيب نفس؟ ماذا نفعل، هل نقبل منها أم لا؟ وهذا الميراث الذي سامحت فيه هو قطعة أرض بها أشجار تين أو زيتون؟ أفتونا جزاكم الله خيرا .
فأجابوا : إذا عُلِم أن المرأة سَمَحَت عن نصيبها مِن ميراث والِدها لإخوتها عن طيب نفس ، فلا بأس بذلك ، وإن كانت نفسها لم تَطِب بذلك دُفِع إليها نَصيبها من الميراث . اهـ .
وسُئل شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله :
أبي متوفى منذ مدة ويوجد لدينا بيت باسْمِه ، وقررنا بيعه ، وتقسيم التركة، وتريد إحدى أخواتي التنازل عن حقها في الميراث لي لمساعدتي على الزواج ، علما أنها متزوجة وفي حالة ميسورة هي وزوجها ، فهل يجوز ذلك ؟ أفيدوني أفادكم الله .
فأجاب رحمه الله : لا حرج عليك في قبول هِبة أختك لك نصيبها مِن البيت مساعدة لك في الزواج إذا كانت رشيدة ؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دَلّت على جواز تَبَرُّع المرأة بشيء مِن مَالِها لأقاربها وغيرهم .
كما يُشرع لها الصدقة إذا كانت رشيدة، والله ولي التوفيق . اهـ .
وقال شيخنا العثيمين رحمه الله : اعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هِبة، ويكون هَدية، ويكون صدقة ؛ فما قُصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة ، وما قُصد به التودد والتأليف فهو هدية ، وما قُصد به نفع الْمُعْطَى فهو هبة ، فهذا هو الفرق بينها ، والتودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعا ، ويقصد بها ثواب الآخرة ، لكن ثواب الآخرة لم يُقصد فيها قصدا أوَّلـِيًّا ، ولهذا يَخصها بِشخص مُعين ، أما الصدقة فلا يَخصها بِشخص مُعين ، بل أي فقير يُواجِهه يعطيه ، وكلها تتفق في أنها تَبَرُّع مَحْض ، لا يَطلب الباذل عليها شيئا . اهـ .
والله تعالى أعلم .