الفتاوى » الصِّــيـام

هل يأثم مَن قطع صيام القضاء وأفطر ذلك اليوم ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

السلام عليكم ورحمة الله
أحسن الله إليكم
ذهب الجمهور إلى تأثيم المفطر في قضاء رمضان من غير عذر فأشكل علي أن وقت القضاء موسع فما وجه التأثيم ؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وأحسن إليك
لعلهم نظروا إلى أن القضاء يحكي الأداء ..
فكما يشترط للقضاء تبييت النية يلزم أن لا يقطع بغير عذر .
وفي المسألة خلاف .
والذي يظهر أنه لا يأثم من قطع صيام القضاء ، ولكنه أساء .
ففي حديث أم هانئ : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شرابا فناولها لتشرب فقالت : إني صائمة ، ولكن كرهت أن أرد سؤرك ، فقال : إن كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه ، وإن كان من غير قضاء رمضان فإن شئت فاقضي ، وإن شئت فلا تقضي . رواه الإمام أحمد والترمذي مُختصرا والنسائي في الكبرى وابن عبد البر في التمهيد .
قال الألباني : وقد انتهيت فيه إلى تحسين الحديث أو تصحيحه لطرقه ، و قد حَسّن العراقي أحد أسانيده . اهـ .
فقوله عليه الصلاة والسلام : " إن كان مِن قضاء رمضان فاقضي يومًا مكانه " يدلّ على أنه لا حرج على مَن أفطر في قضاء رمضان ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعنّف أم هانئ حينما أفطرت لو كان قضاء .
قال الشوكاني عن حديث أم هانئ : وفيه دليل على جواز إفطار القاضي ويقضى يوما مكانه ، وإن كان فيه المقال المتقدم ، ولكن الدليل على مَن قال إنه لا يجوز إفطار القاضي . اهـ . أي : الذي يصوم قضاء .
أي أن الدليل يلزم مَن قال بتأثيم مَن أفطر في صيام القضاء ؛ لأن القول بالتأثيم يحتاج إلى دليل .
وخالَف الألبانيُّ الشوكانيَّ فيما ذهب إليه ، فقال في " الصحيحة " : وزاد أبو داود في رواية عقب ما تقدم : قال : " فلا يضرك إن كان تطوعا " . و مفهومه أنه يضرها لو كان قضاء . وهذا واضح إن شاء الله .
وثالثا : الدليل هو اعتبار الأصل ، فكما لا يجوز إبطال الصيام في رمضان بدون عذر ، فكذلك لا يجوز إفطار قضائه ، ومَن فرّق فعليه الدليل . اهـ .
وفي هذا مُناقشة ، وبيانها فيما يلي :
أولاً : قوله : " فلا يضرك إن كان تطوعا " ، لا يُسلّم للشيخ رحمه الله مفهوم : أنه يضرّها لو كان قضاء ، لأن القضاء لا يُقضى في قول الأكثر ، ولأنه لو كان قضاء فإنه يضرّها مِن جهة بقاء القضاء في ذِمّتها ، وذهاب ما صامته مِن أول النهار .
وثانيا : أن قول أم هانئ رضي الله عنها : " أذنبت فاستغفر لي " لا يلزم منه أن يكون إفطار القضاء ذَنْبا ؛ لأنها فَهِمَت أن إفطار المتطوّع ذَنْبا ، والسلف يعتبرون ترك الأوْلَى ذَنْبا يَستغفرون الله منه .
وثالثا : أن قول الشيخ رحمه الله : (فكما لا يجوز إبطال الصيام في رمضان بدون عذر ، فكذلك لا يجوز إفطار قضائه) .
مُتعقّب مِن وجوه :
الأول : أن حُرمة الصيام في شهر رمضان ليست كَحُرْمَة الصيام في غيره ؛ لأن الحرمة للشهر .
الثاني : أن قضاء صيام رمضان يُخالِف صيام رمضان ، فإن صائم القضاء لو جامَع في قضائه لم تلزمه كفارة ، ولا يلزمه قضاء ما أفطره في القضاء ، وعلى هذا جمهور أهل العلم .
روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال : سمعت عطاء يُرخّص لإنسان ظمىء في قضاء رمضان أن يفطر . قال ابن جريج : وأمرت إنسانا فسأله أيُنَزَّل قضاء رمضان بِمَنْزِلة التطوع ؟ قال : نعم .
وقال الإمام مالك في الموطأ : سَمعت أهل العِلم يقولون : ليس على مَن أفطر يوما في قضاء رمضان بإصابة أهله نهارا أوْ غير ذلك الكفارة التي تُذْكَر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن أصاب أهله نهارا في رمضان ، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم . قال مالك : وهذا أحب ما سمعت فيه إليّ .
قال ابن عبد البر : على ما ذَكَرَه مالك جمهور العلماء أن المجامع في قضاء رمضان لا كفارة عليه .
وكذلك جمهور العلماء يقولون : إن المفطِر في قضاء رمضان لا يقضيه ، وإنما عليه ذلك اليوم الذي كان عليه من رمضان لا غير . اهـ .
وقال ابن قدامة : ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان ، في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء
وقال قتادة : تجب على من وطئ في قضاء رمضان ؛ لأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها ، فوجبت في قضائها ، كالحج .
ولنا أنه جامع في غير رمضان ، فلم تلزمه كفارة ، كما لو جامع في صيام الكفارة ، ويفارق القضاء الأداء ؛ لأنه متعين بِزمان مُحترم ، فالجماع فيه هَتْك له ، بخلاف القضاء .
وقال النووي : لو جامع في صوم غير رمضان مِن قضاء أو نذر أو غيرهما فلا كفارة ، وبه قال الجمهور .
الثالث : أن مِن السلف مَن كان يُصحح صيام القضاء مِن غير تبييت النية مِن الليل .
روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال : قلت أرأيت إن كان على رجل من أيام رمضان ، فأصبح يوما وليس في نفسه الصيام ، ثم بدا له بعد ما أصبح ، أيجعله من قضاء رمضان ، ولم يفرضه قبل الفجر ؟ قال : فليصمه ، وليجعله مِن قضاء رمضان .
ورَوى عبد الرزاق عن معمر عن عطاء الخراساني قال : كنت عند ابن المسيب فجاءه أعرابي عند العصر أو بعد العصر فقال : إني لم آكل اليوم شيئا ، أفأصوم ؟ قال : نعم ، قال : فإن عَلَيّ يوما مِن رمضان ، أفأجعله مكانه ؟ قال : نعم .
وروى ابن منصور عن الإمام أحمد : من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار ، ولم ينوِ مِن الليل ، فلا بأس ، إلاّ أن يكون فسخ النية بعد ذلك .
الرابع : أن قضاء رمضان موسّع ، بخلاف صيام رمضان ؛ فالقضاء يصِحّ أن يكون في أي شهر ، وأما صيام رمضان فيجب على العموم في شهر رمضان .
والقضاء يصحّ أن يكون مُتفرّقا على الصحيح ، وصيام رمضان لا بُدّ فيه من التتابع إلاّ لِعذر .
وبهذا يتبيّن أن قولهم : القضاء يَحكي الأداء ؛ ليس على إطلاقه في قضاء الصيام .
وأما حديث : إنما مَنْزلة من صام في غير رمضان أو غير قضاء رمضان أو في التطوع بِمَنْزِلة رجل أخرج صدقة ماله ، فجاد منها بما شاء فأمضاه ، وبَخِل منها بما بقي فأمسكه . رواه النسائي .
فهذا لو صحّ بهذا اللفظ لكان فيه مُستمسك ؛ لأن مَن صام في غير رمضان أو غير قضاء رمضان ، أمير نفسه .
إلا أن هذه الرواية مُعلّة بما يلي :
أولا : مدارها على شَريك عن طلحة بن يحيى بن طلحة ، وكلاهما : صدوق يخطئ .
بل قال البخاري عن طلحة هذا : منكر الحديث . وَقَال أبو داود : ليس به بأس .
وَقَال أبو زُرْعَة والنَّسَائي : صالح .
وقال ابن حجر عن شَريك : صدوق يخطئ كثيرا ، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة .
ثانيا : أن الإمام النسائي روى قبل هذه الرواية رواية أخرى بلفظ : إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يُخرج مِن مَاله الصدقة ، فإن شاء أمضاها ، وإن شاء حبسها .
ثالثا : أن الرواية الأولى التي فيها : " من صام في غير رمضان أو غير قضاء رمضان " خطأ ، والْحَمْل فيها على شَريك ، فيما يَظهر .
والخطأ مِن وجهين :
الأول : أن شَريك بن عبد الله جَعَل الرواية مِن رواية مجاهد عن عائشة ، وهي مِن رواية طلحة بن يحيى بن عبيد الله عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .
الثاني : أنه جَعَل قول مجاهد مِن المرفوع .
ويُؤكّد هذا الخطأ أن الإمام مسلم روى هذه الرواية سالمة من الخطأ ؛ فقد رواها مِن طريق طلحة بن يحيى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم : يا عائشة ، هل عندكم شيء ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ، ما عندنا شيء ، قال : فإني صائم قالت : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُهدِيت لنا هدية ، أو جاءنا زَوْر ، قالت : فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : يا رسول الله ، أُهديت لنا هدية ، أو جاءنا زَور ، وقد خبأت لك شيئا ، قال : ما هو ؟ قلت : حيس ، قال : هاتيه ، فجئت به فأكل ، ثم قال : قد كنت أصبحت صائما .
قال طلحة : فحدثت مجاهدا بهذا الحديث ، فقال : ذاك بِمَنْزِلة الرجل يُخرج الصدقة من ماله ، فإن شاء أمضاها ، وإن شاء أمسكها .
فهذا القَدر مِن الحديث مِن قول مجاهد ، وليس مِن المرفوع .
على أنه سَماع مُجاهِد من عائشة مُتكلَّم فيه .
قال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : لم يسمع مجاهد مِن عائشة .
فهذا اللفظ - لو صحّ - ليس فيه حجة على تأثيم قطع صيام القضاء ، كيف وهو لم يَصحّ ؟!
وإن كان الْمُرجّح : أن مَن صام قضاء لا يقطع صيامه ، فإن فَعَل فقد أساء ، ولا شيء عليه .
والله تعالى أعلم .