الفتاوى » فتاوى متفرقة

أفكار وتساؤلات متجاوزة عن رب العالمين ، ولماذا لا ينتصِر المسلمون ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
بارك الله فيكم واثابكم الجنه بلا حساب ولا عذاب ..
هناك من الوساوس ما تجعل العبد يتوجه الى أفكار تضر بثوابته وعقيدته .. كأن يتساءل الشخص : كل من تبع دين كان مقتنعا به ومتأكد أنه على صواب .. ونحن كمسلمين نرى أن ديننا هو الحق وغيرنا على باطل ... من الصحيح منا ومن الخاطيء .... أو أن يقول أحدهم ... : نحن المسلمين أحب الى الله من غيرنا فلماذا لا ينصرنا ويقوينا ... أو يقول : الله الذي خلقنا .....فمن خلق..... الخ .. والله لا أستطيع أكمال هذه الجمله لأن فيها من التجاوز ما الله به عليم ..
وأتوقع أن الأمثله واضحه ..:: أو أن يشك في نبوة رسول الله ... وقس عليها بقية الشكوك ..
السؤال ... قد يكون من تأتيه تلك التفاكير من أشد الناس ألتزاما .. لذلك مع تكرار تلك الافكار قد يصيبه الخوف الشديد على عقيدته ... كما أنها تأتي عامة الناس أجمالا ..
هل لها علاج .. ونود منك الشرح عنها وعن أحوالها المتعدده وأذا كان الداء والدواء قد ورد مثله في سنة رسول الله فنرجوا أيضاحه ..
ودمتم بثبات على الحق دوما ..

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
آمين ، ولك بمثل ما دعوت .
يجب أن يَكون ثَبَات المؤمن مثل ثبات الجبال ، لا تُزعزعه شُبْهَة ، ولا تَضرّه فِتنة .
وأن يُديم سؤال الله عزَّ وَجَلّ الثبات ، وأن يخشى مِن تَقَلّب قَلْبه ، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُحسِن العَمَل ، ويَخشى مِن تقلّب القلوب .
فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول : يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك وطاعتك . فقيل له : يا رسول الله ! إنك تُكْثِر أن تقول : يا مُقَلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دِينك وطاعتك . قال : وما يُؤمِّنني ؟ وإنما قلوب العباد بين أصبعي الرحمن ، إنه إذا أراد أن يُقَلِّب قَلْب عَبْد قَلَبه . قال عفان : بين إصبعين من أصابع الله عز وجل . رواه الإمام أحمد . وصححه الألباني والأرنؤوط .
وقَالَ أَنَس رضي الله عنه : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ " قَالَ : فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : فَقَالَ : " نَعَمْ ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا " . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، وصححه الألباني .
وأن لا يُعرِّض الإنسان دِينه للفِتَن ، ولا يتعرّض للشُّبُهات ؛ لأن التشُّـبَه خطّافة ، كما قال السلف .
ولا يَكون إسفنجيا يتلقّى ويلتقّف كل ما يَرِد عليه !
قال ابن القيم رحمه الله: وقال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه - وقد جَعَلْتُ أُورِد عليه إيرَادًا بعد إيرَاد - : لا تَجعل قَلْبَك للإيرَادات والشُّبُهَات مثل السفنجة فَيَتَشَرّبها ، فلا يَنْضَح إلاَّ بها ، ولكن اجْعَله كالزُّجَاجة الْمُصْمَتَة تَمُرّ الشُّبُهات بِظاهرها ولا تَسْتَقِرّ فيها ، فَيَرَاها بِصَفائه ، ويدفعها بِصلابته ، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْتَ قلبك كل شبهة تَمُرّ عليها صار مَقَرًّا للشبهات . أو كما قال. فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك .
ومَن وَجَد شيئا من تلك الوساوس ، فعليه بثلاثة أمور أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي :
1 - أن يقول : آمنت بالله .
2 - وأن لا يسترسل مع الخاطِر .
3 - وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، لقوله عليه الصلاة والسلام : لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خَلْق الله الخلق فَمَن خَلَق الله . فَمَن وَجَد مِن ذلك شيئا فليقل : آمنت بالله ، ولْيَسْتَعِذ بِالله ، ولْيَنْتَهِ . رواه البخاري ومسلم .
وأن يُكثِر مِن ذِكْر الله إذا وَرَدَتْ على نفسه مثل تلك الوساوس ؛ لأنها مِن الشيطان ، والشيطان يَنْشَط وقْت الغفلة .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشيطان جَاثِم على قَلب ابن آدم فإذا سَهَا وغَفَل وَسْوَس ، وإذا ذَكَر الله خَنَس .
وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية :
مَا دَوَاء من تحكم فِيهِ الدَّاء ؟ وَمَا الإحتيال فِيمَن تسلط عَلَيْهِ الخيال ؟ وَمَا الْعَمَل فِيمَن غلب عَلَيْهِ الكسل ؟ وَمَا الطَّرِيق إِلَى التَّوْفِيق ؟ وَمَا الْحِيلَة فِيمَن شطت عَلَيْهِ الْحيرَة ؟
إِن قصد التَّوَجُّه إِلَى الله تَعَالَى مَنعه هَوَاهُ
وَإِن رام الأدكار غلبت عَلَيْهِ الافتكار
فأجَاب رحمه الله :دواؤه الالتجاء إِلَى الله ودوام التضرع وَالدُّعَاء .
بِأَن يتَعَلَّم الأَدْعِيَة المأثورة ويتوخى الدُّعَاء فِي مظان الإِجَابَة ؛ مثل : آخر اللَّيْل ، وأوقات الْأَذَان وَالإِقَامَة ، وَفِي سُجُوده ، وَفِي أدبار الصَّلَوَات .
وَيضم إِلَى ذَلِك الاسْتِغْفَار ، فَإِنَّهُ من اسْتغْفر الله ثمَّ تَابَ إِلَيْهِ متعه مَتَاعا حسنا إِلَى أجل مُسَمّى ، وليتخذ وِرْدًا مِن الأَذْكَار طرفِي النَّهَار وَوقت النّوم ، وليصبر على مَا يَعرض لَهُ من الْمَوَانِع والصوارف ، فَإِنَّهُ لا يلبث أَن يُؤَيّدهُ الله بِروح مِنْهُ ، وَيكْتب الإِيمَان فِي قلبه .
وليحرص على إِكْمَال الْفَرَائِض من الصَّلَوَات الْخمس بباطنه وَظَاهره ، فَإِنَّهَا عَمُود الدّين ، وَليكن هِجِّيراه : لا حول وَلا قُوَّة إِلاّ الله الْعلي الْعَظِيم ؛ فَإِنَّهُ بهَا يحمل الأثقال ، وتُكابد الأَهْوَال ، ويُنال رفيع الأَحْوَال .
وَلا يسأم من الدُّعَاء والطلب ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسْتَجَابُ لَهُ مَا لَمْ يُعَجِّلْ فَيَقُولُ : قَدْ دَعَوْت وَدَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، وَلَمْ يَنَلْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ خَتْمِ الْخَيْرِ - نَبِيٌّ فَمَنْ دُونَهُ - إلاّ بِالصَّبْرِ . اهـ .
وأما مثل قول : (نحن المسلمين أحب إلى الله من غيرنا ، فلماذا لا ينصرنا ويقوينا ؟)
فالجواب عنه :
أن الله عزَّ وَجَلّ وَعَد المسلمين بالنصر والتمكين والأمن والاستخلاف بشرط تحقيق شَرْط واحد ، وهو عبادته سبحانه وتعالى وأن لا يُشْرَك به ، كما قال تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .
فالخلل جاءنا مِن قِبَل أنفسنا ، فنحن الذين خَذَلْنا أنفسنا ، وأخّرنا النصر ، وذلك بِما نفعله مِن مُخالفات ، وما نُفرِّط به مِن أمْر الله .
فكثير من المسلمين لا يَرْعوي عن ارتكاب الفواحش ، ولا يزجُره دِين ، ولا يَرْدعه رادِع .
وكثير مِن المسلمين فرَّط في عبادة الله ، فَكَم مِن المسلمين اليوم مَن لا يُصلِّي ؟ وكم مِن المسلمين اليوم مَن لا يُزكِّي أمواله ؟ وَكَم .. ؟ وَكَم .. ؟
وقد أُصِيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأُصِيب مَن أُصِيب من أصحابه يوم أحُد بسبب مُخالَفة واحدة . كما قال تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
بل أُخْرِج آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة بسبب مُخالفة واحدة . كما قال تعالى : (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) .
فإذا أردنا النصر فلْنُحقِّق الشرط ليتحقق لنا المشروط .
ثم إننا كثيرا ما نستعجل النصر ، ولله عَزّ وَجَلّ حَكمة في تأخيره .
ألا تَرى أن الأنبياء أفضل الْخَلْق ، ومع ذلك يتعرّضون لِمَا يتعرّضون له مِن أُممهم مِن تضييق وتسلّط وبَغْي وعُدوان ، وقَتْل لبعض أتْبَاعِهم ، ويتأخّر عنهم النصر ، حتى إذا انتصروا كان نصرا باهِرا تُحْمَد عُقباه .
وخير مثال على ذلك ما جرى لِنبينا صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يَظهر انتصاره على قومه إلاّ بعد ما يُقارِب عشرين عاما .
وهذا كما قال هرقل في حديثه لأبي سُفيان رضي الله عنه : وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا العَاقِبَةُ . رواه البخاري ومسلم .
وسبق :
وسيعلم الكفار لمن عُقبى الدار
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=26924
هل التفكير في عدم دخول الجنّة يدخل في باب سوء الظّن بالله ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=101507
تصيبني وساوس في العقيدة فهل لهذا أثر على ديني ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=79758
تطلب شرْح أحاديث وردت فيها بعض ما يجده المسلم مِـن وسوسة
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=69737
إذا أصابت الإنسان وساوس كُفرية ولم يترك العبادات ، فكيف يُدَافِعها ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=81141
تأتيه وساوس في سبِّ أسماء الله جلّ جلاله
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=83843
تشكُّ في وجودِ الله تبارك وتعالى
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=84975
أعاني من شبهات ووساوس في أمور العقيدة ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=106644
هل هناك من وسيلة للثبات على الإسلام ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?p=502971
يسأل هل الإسلام دينٌ حق ؟
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?p=502754
ولكنكم تستعجلون
http://almeshkat.net/vb/showthread.php?t=29583
والله تعالى أعلم .