الفتاوى » فتاوى متفرّقـة

ما هي الأقوال المأثورة للتشهير بأهل البدع ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

السلام عليكم و رحمة الله
الشيخ الفاضل -حفظه الله -
ما هي الأقوال المأثورة التي تحث على التشهير بأهل البدع .. وهل هناك أحاديث تحث على ذلك ..
بارك الله فيكم ..
سلام عليكم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وحفظك الله ورعاك .
وبارك الله فيك .
لا بُدّ من مُقدِّمات قبل الجواب :
الأولى : الكلام في أهل البِدَع والتشهير بهم لا يكون على حساب السنة ونشرها ، فإن بعض الناس ربما نشر البدعة ، وهو يُريد قمع البدعة !
فقد يكون في كلامه ضَعْفًا ، فيكون ناشِرا للبدعة ، من حيث لا يشعر .
وقد يُكثر الكلام في هذا الباب حتى يترك نشر السنة الصحيحة ، وأقوى ما تُرَدّ به البدعة هو نشر السنة الصحيحة ؛ لأن قُبْح البدعة يَظهر بإظهار محاسن السنة .
الثانية : أن لا يكون في الكلام في أهل البدع تشهير بهم ، وتعريف بأشخاصهم ! ولذا كان بعض السلف يَكْره نَشْر أقوال أهل البدع ، وإن كان القصد التحذير منها ؛ لأن من شأن ذلك الإبقاء على كلام أهل البدع ، بل وإشهار أشخاص المبتدعة .
الثالثة : أن يكون القصد هو ردّ القول بغضّ النظر عمّن قاله ، إلاّ إذا دَعَت الحاجة إلى ذِكر الأسماء صراحة .
الرابعة : أن يُفرَّق بين من وقع في البدع – أو في شيء منها – وبين من كان داعية إلى البِدَع رأسًا في الضلالة .
فقد جَعَل الله لكل شيء قَدْرا .
ولذا يُفرِّق أهل العلم بين النوعين .
الخامسة : أن يكون الكلام في أهل البِدَع بعد التثبّت من أمرين :
الأول : كون هذا الأمر بِدعة .
الثاني : أن تثبتُ نسبة الكلام إلى ذلك القائل ، إذا ما دَعَت الحاجة إلى التشهير به .
لأن من الأقوال ما لا يثبت عمّن نُسِبت إليه ، فيكون المتكلِّم ظالما لأخيه بِذِكْر أقبح ما يَعلَم عنه ، كما قال ابن سيرين رحمه الله : ظُلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم ، وتَكْتُم خيره .
السادسة : أن يُفرَّق بين البدع الكِبار ، وبين البدع الصِّغار .
قال الإمام الذهبي : قال الذهبي : البدعة كبرى وصغرى .
وقال : البدعة على ضربين :
فبدعة صغرى ، كغلو التشيع ، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف ، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة .
ثم بدعة كبرى ، كالرفض الكامل والغلو فيه والحطّ على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - والدعاء إلى ذلك ؛ فهذا النوع لا يُحْتَجّ بهم ولا كَرامة ... فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرْفهم هو مَن تَكَلّم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارَب عَليا - رضي الله عنه - وتَعرّض لِسَبِّهم ، والغالي في زماننا وعُرْفنا هو الذي يُكَفِّر هؤلاء السادة ، ويتبرأ من الشيخين أيضا ؛ فهذا ضَال مُعَثَّر . اهـ .
السابعة : أن يُفرَّق بين عالم ومُتعالِم ، فالعالم يُعذر ما لا يُعذر المتعالِم ؛ لأن العالم الذي وقع في شيء مِن البِدع اجتهد فأخطأ .
وعلى هذا أئمة أجلاّء من شيوخ الإسلام ، ومن شيوخ الأئمة الأربعة أو بعضهم ، مثل : قتادة بن دعامة ، ووكيع بن الجرّاح ، وعبد الرزاق الصنعاني . وغيرهم كثير .
قال الإمام الذهبي رحمه الله - في ترجمة محمد بن نصر المروزي - : ولو أنا كلما أخطـأ إمـام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفـوراً لـه ، قُمنا عليه وبدَّعْنَاه وهجرناه ، لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما ، والله هو هادي الخلق إلى الحق ، وهو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة .
إذا عُلِم هذا فقد وردت نصوص في التحذير من البِدَع وأهل البِدَع ، ومن ذلك :
عموم النصوص التي تُحذِّر من الافتراق ونبذ السُّـنَّـة .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : اتَّـبِعوا ولا تَبْتَدِعوا ؛ فقد كُفِيتم . رواه الدارمي .
وقال رضي الله عنه : إنا نَقْتَدِي ولا نَبْتَدِي ، ونَتَّبِع ولا نبتدع ، ولن نَضِلّ ما تَمَسَّكْنا بِالأثر . رواه اللالكائي .
وقال رضي الله عنه : عليكم بِالعِلْم قبل أن يُقْبَض ، وقَبْضه أن يَذْهب أهله - أو قال أصحابه- وقال : عليكم بِالعِلْم ، فإن أحدكم لا يَدْرِي متى يُفْتَقر إليه ، أو يُفْتَقَر إلى ما عنده ، وإنكم ستجدون أقواما يَزْعمون أنهم يَدْعونكم إلى كتاب الله وقد نَبَذوه وراء ظهورهم ، فَعَليكم بِالعِلْم وإياكم والـتَّبَدع ، وإياكم والـتَّنَطّع ، وإياكم والتعمق ، وعليكم بِالعَتِيق . رواه اللالكائي .
والمقصود بـ " العَتِيق" أي : الأمْر الأول الذي مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه .
وأما التشهير بأهل البِدع فهو مُقيَّد بالقيود والضوابط السابقة .
والله أعلم .