الفتاوى » التعامل والمعاملات والبيع والشراء

كيف الجمع بين نهي الرسول عن بيع النجس وجواز الانتفاع بالنجس ؟

فضيلة الشيخ : عبد الرحمن السحيم

الشيخ الفاضل حفظكم الله
كيف الجمع بين حديث جابر : " إن الله ورسوله حرم عليكم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام فقيل : أرأيت شحوم الميتة ...الحديث ، فقال : لا هو حرام قاتل الله اليهود ...الخ "
وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال : إن كان جامداً فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعاً فاستصبحوا به أو انتفعوا به "
فحديث جابر في النهي عن استعمال النجس
والحديث الثاني في جواز الاستصباح والانتفاع بالنجس
فكيف الجواب حفظكم الله

وحفظك الله ورعاك .
هناك فَرْق بين المسألتين التي سألت عنهما في سؤالك :
فالأُولى : في الانتفاع بِشحوم الميتة ، مع الْخِلاف في جوازه مِن عدمِه ؛ بناء على الخلاف في عَوْد الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا هُوَ حَرَام " .
والثانية : في الانتفاع بِشيء طاهر في الأصل ، فَوَقَعَت فيه نجاسة ؛ فهل ينجس أوْ لا ؟ ومتى يتنجّس المائع الذي وقَعَتْ فيه نجاسة ؟
واخْتُلِف في عَوْد الضمير في قوله : " لا هُوَ حَرَام " هل هو عائد على البيع أو على الانتفاع ؟
قال القرطبي في " الْمُفْهِم " : " لا هُوَ حَرَام " نَصّ في أنه يَحرُم بَيعها ؛ لأنه كانت فيها منافع ، وذلك : لأنها جزء من الميتة كاللحم ، أو هي كالشحم مع اللحم ، فإنه عنه يكون . ولا يلزم مِن تحريم بيعها ، والحكم بنجاستها ، ألاّ يجوز الانتفاع بها .
وهذا هو الذي يتمَشّى على مذهب مالك ، فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتَت فيه مَيتة مِن المائعات ؛ كالزيت ، والسمن ، والعسل ، وغير ذلك ، مع الحكم بنجاسته . فقال : يُعمل مِن الزيت النجس الصابون ، ويُسْتَصْبَح به في غير المساجد . ويُعلَف العسل النحل . ويُطعم النجس الماشية . وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة . ورُوي عن علي وابن عمر . اهـ .
وقال النووي : معناه : لا تَبِيعوها فإن بيعها حَرام ، والضمير في ( هو ) يعود إلى البيع ، لا إلى الانتفاع ، هذا هو الصحيح عند الشافعي وأصحابه أنه يجوز الانتفاع بِشَحم الميتة في طَلي السُّفن والاستصباح بها ، وغير ذلك مما ليس بِأكْل ولا في بَدَن الآدمي ، وبهذا قال أيضا عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير الطبري .
وقال الجمهور : لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلا ؛ لعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلاّ ما خُصّ ، وهو الجلد المدبوغ . وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدْهَان التي أصابتها نجاسة ، فهل يجوز الاستصباح بها ونحوه مِن الاستعمال في غير الأكل وغير البدن ، أو يجعل من الزيت صابونا أو يُطعم العَسل المتنجّس للنَّحل ، أو يُطعِم الميتة لِكِلابِه ، أو يُطعم الطعام النجس لِدَوابه ؟ فيه خلاف بين السلف . الصحيح من مذهبنا : جواز جميع ذلك ، ونَقَله القاضي عياض عن مالك وكثير من الصحابة والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث بن سعد . اهـ .
وقال ابن بطّال : وممن أجاز الاستصباح بالزيت تَقع فيه الفأرة : على بن أبى طالب ، وابن عباس ، وابن عمر . اهـ .
قال ابن عبد البر : اخْتَلَفوا في الزيت تقع فيه الميتة بعد إجماعهم على نجاسته : هل يُسْتَصْبَح به ؟ وهل يُباع ويُنتفع به في غير الأكل ؟
فقالت طائفة من العلماء : لا يُسْتَصْبَح به ولا يُباع ولا يُنتفع بشيء منه ...
وقال آخرون : يجوز الاستصباح بالزيت تَقَع فيه الميتة ويُنتفع به في الصابون وشِبهه ، وفي كل شيء ما لم يَُبع ولَم يُؤكَل ، فإنه لا يجوز بيعه ولا أكله بِحَال . وممن قال ذلك : مالك والشافعي وأصحابهما والثوري ...
أما أكله ؛ فَمُجْتَمع على تحريمه إلاّ الشذوذ الذي ذَكَرنا .
وأما الاستصباح به ؛ فقد رُوي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر إجازة ذلك ... ورَوى سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد أن فأرة وقعت في أفران زيت لآل عبد الله بن عمر ، فأمرهم ابن عمر أن يَسْتَصْبِحُوا به ويَدْهُنوا به الأدم ...
ورَوى ابن وهب قال : أخبرني أسامة بن زيد عن نافع أن امرأة عبد الله بن عمر أخبرته أنه كان لعبد الله بن عمر جَرّة ضخمة مَلأى سَمْنًا فَوَجد فيها فأرة ميتة ، فأبى أن يأكل منها ، ومَنَع أهله ، وأمَرَهم أن يَسْتَصْبِحوا به ، وأن يَدْهنوا به أُدْما كان لهم . اهـ .
واخْتُلِف في الانتفاع بِشحوم الْمَيْتَة .
قال القاضي عياض : فإن قيل : فإن في بعض الأحاديث- كما قيل له صلى الله عليه وسلم في شحوم الميتة - : إنها تُدهَن بها السفن ، فقال : " لا تنتفعوا من الميتة بشيء " ؟
قيل : هذا على الكراهية ، وتحرزًا مِن النجاسة أن تَمَسّه [ اليَد ] . اهـ .
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية :
عن الزيت إذا وَقَعت فيه النجاسة مثل الفأرة ونحوها وماتَتْ فيه . هل ينجس أم لا ؟ وإذا قيل ينجس : فهل يجوز أن يُكاثَر بِغيره حتى يَبلغ قُلّتين أم لا ؟ . وإذا قيل تجوز المكاثَرة ؛ هل يجوز إلقاء الطاهر على النجس أو بالعكس أوْ لا فَرق ؟ وإذا لم تَجُز المكاثرة وقيل بنجاسته : هل لهم طريق في الانتفاع به مثل الاستصباح به أو غَسله إذا قيل يَطهر بالغسل أم لا ؟ وإذا كانت المياه النجسة اليسيرة تطهر بالمكاثَرة ، هل تطهر سائر المائعات بالمكاثَرة أم لا ؟
فأجاب :
الحمد لله ، أصل هذه المسألة أن المائعات إذا وقعت فيها نجاسة : فهل تنجس وإن كانت كثيرة فوق القُلّتين ؟ أو تكون كالماء فلا تنجس مُطلقا إلاّ بالتغيُّر ؟ أوْ لا ينجس الكثير إلاّ بالتغيُّر ، كما إذا بَلَغَت قُلّتين ؟
فيه عن أحمد ثلاث روايات :
إحداهن : أنها تنجس ولو مع الكثرة . وهو قول الشافعي وغيره .
والثانية : أنها كالماء ، سواء كانت مائية أو غير مائية ، وهو قول طائفة من السلف والخلف ؛ كَابْنِ مَسعود وابن عباس والزهري وأبي ثور وغيرهم . وهو قول أبي ثور نَقَلَه المرُّوذي عن أبي ثور ، ويُحْكَى ذلك لأحمد ، فقال : إن أبا ثور شَبّهه بالماء ، ذَكَر ذلك الخلاّل في جامِعه عن المرُّوذي . وكذلك ذَكر أصحاب أبي حنيفة أن حكم المائعات عندهم حُكم الماء ، ومذهبهم في المائعات معروف فيه . فإذا كانت مُنْبَسطة بحيث لا يَتحرّك أحد طرفيها بِتحرّك الطرف الآخر لم تنجس كالماء عندهم . وأما أبو ثور فإنه يقول : بالعكس ، بالقُلّتين كالشافعي .
والقول أنها كالماء يُذكر قَولا في مذهب مالك ، وقد ذكر أصحابه عنه في يسير النجاسة إذا وَقَعت في الطعام الكثير روايتين ، ورُوي عن أبي نافع من المالكية في الحباب التي بالشام للزيت تَموت فيه الفأرة أن ذلك لا يَضر الزيت ، قال : وليس الزيت كالماء . وقال ابن الماجشون في الزيت وغيره تقع فيه الميتة ولم تغير أوصافه وكان كثيرا : لم ينجس ؛ بخلاف مَوتها فيه ، فَفَرّق بين موتها فيه ووقوعها فيه .
ومذهب ابن حزم وغيره مِن أهل الظاهر أن المائعات لا تنجس بوقوع النجاسة إلاّ السمن إذا وقعت فيه فأرة ، كما يقولون إن الماء لا ينجس إلاّ إذا بال فيه بائل !
والثالثة : يُفَرَّق بين المائع المائي ، كَخَلّ الخمر ، وغير المائي كَخَلّ العِنب ؛ فيَلْحَق الأول بالماء دون الثاني .
وفي الجملة للعلماء في المائعات ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها كالماء .
والثاني : أنها أولى بعدم التنجس مِن الماء لأنها طعام وإدام ؛ فإتلافها فيه فساد ، ولأنها أشد إحالة للنجاسة من الماء ، أو مُباينة لها من الماء .
والثالث : أن الماء أولى بعدم التنجس منها ؛ لأنه طهور .
وقد بَسَطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع ؛ وذَكَرنا حُجة مَن قال بالتنجيس ، وأنهم احتَجّوا بِقَول النبي صلى الله عليه وسلم : إن كان جامدا فألْقُوها وما حولها وكُلوا سَمْنَكم ، وإن كان مائعا فلا تَقْرَبوه . رواه أبو داود وغيره ؛ وبَيَنّا ضَعف هذا الحديث . وطعن البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي والدارقطني وغيرهم فيه وأنهم بَيّنُوا أنه غَلط فيه مَعْمَر على الزهري .
ثم ذَكَر شيخ الإسلام ابن تيمية ما رواه الترمذي في جامعه : " باب ما جاء في الفأرة تموت في السَّمن " حدثنا سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار قالا : حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة وَقَعت في سَمن فماتت ، فسُئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ألْقُوهَا وما حَولها وكُلُوه " . قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح . وقد رُوي هذا الحديث عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل ، ولم يَذكروا فيه عن ميمونة . وحديث ابن عباس عن ميمونة أصحّ .
ثم ذَكَر الاضطراب الواقع في هذه الروايات ، فقال : وقال أبو حاتم الرازي : ما حَدّث به مَعْمَر بن راشد بالبصرة ففيه أغاليط ، وهو صالح الحديث .
وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن مَعمر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة هُم البصريون . كعبد الواحد بن زياد وعبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي ، والاضطراب في المتن ظاهر . فإن هذا يقول : " إن كان ذائبا أوْ مائعا لم يُؤكَل " ، وهذا يقول : " وإن كان مائعا فلا تنتفعوا به واستَصْبِحُوا به " ، وهذا يقول " فلا تَقْرَبُوه " ، وهذا يقول : " فأمَرَ بها أن تُؤخَذ وما حولها فتُطْرَح " ، فأطلق الجواب ، ولم يذكر التفصيل .
وهذا يبين أنه لم يَرْوه مِن كِتاب بِلفظ مضبوط ، وإنما رواه بحسب ما ظنه من المعنى فغَلِط ، وبتقدير صحة هذا اللفظ وهو قوله : " وإن كان مائعا فلا تَقْرَبُوه " فإنما يدلّ على نجاسة القليل الذي وَقَعت فيه النجاسة ، كالسمن المسئول عنه ، فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سَمن فوق قُلَّتَين يَقع فيه فأرة حتى يُقال فيه : تَرك الاسْتِفْصَال في حِكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزّل مَنْزِلة العموم في الْمَقَال ، بل السمن الذي يكون عند أهل المدينة في أوْعِيَتهم يكون في الغالب قليلا ، فلو صح الحديث لم يدلّ إلاّ على نجاسة القليل . فإن المائعات الكثيرة إذا وَقَعَت فيها نجاسة فلا يَدلّ على نجاستها لا نص صحيح ولا ضعيف ولا إجماع ولا قياس صحيح . وعُمدة مَن يُنَجِّسه يَظن أن النجاسة إذا وَقَعَت في ماء أو مائع سَرَتْ فيه كُله فَنَجَّسَته . وقد عُرِف فساد هذا ، وأنه لم يَقُل أحدٌ مِن المسلمين بِطَرْدِه ، فإن طَرْدَه يُوجِب نجاسة البحر . اهـ .
وقال ابن رجب : وقد اخْتَلف الناس في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : " هو حَرَام " :
فقالت طائفة : أراد أن هذا الانتفاع المذكور بِشحوم الميتة حَرام ، وحينئذ فيكون ذلك تأكيدا للمَنع مِن بيع الميتة ، حيث لم يَجعل شيئا مِن الانتفاع بها مباحا .
وقالت طائفة : بل أراد أن بَيعها حَرام ، وإن كان قد يُنتفع بها لهذه الوجوه ، لكن المقصود الأعظم مِن الشحوم هو الأكل ، فلا يُباح بيعها لذلك .
وقد اختلف العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة ؛ فَرَخّص فيها عطاء ، وكذلك نقل ابن منصور عن أحمد وإسحاق ، إلاّ أن إسحاق قال : إذا احْتِيج إليه ، وأما إذا وُجد عنه مندوحة ؛ فلا ، وقال أحمد : يجوز إذا لم يَمَسّه بِيدِه .
وقالت طائفة : يجوز ذلك ، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ، وحكاه ابن عبد البر إجماعا عن غير عطاء .
وأما الأدْهَان الطاهرة إذا تَنَجّست بما وَقع فيها من النجاسات ؛ ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما ، وفيه روايتان عن أحمد .
وأما بيعها ؛ فالأكثرون على أنه يَجوز بيعها ، وعن أحمد رواية : يجوز بيعها مِن كافر ، ويُعلَم بنجاستها ، وهو مَرْوي عن أبي موسى الأشعري ، ومن أصحابنا مَن خرّج جواز بيعها على جواز الاستصباح بها ، وهو ضعيف مخالف لنص أحمد بالتفرقة ، فإن شحوم الميتة لا يجوز بيعها ، وإن قيل بجواز الانتفاع بها . اهـ .
وقال ابن حجر : قوله : " أرأيت شحوم الميتة ؛ فإنه يُطلى بها السفن ، ويُدهن بها الجلود ، ويَستصبح بها الناس " ؟ أي : فهل يَحِلّ بَيعها لِمَا ذُكِر مِن المنافع ، فإنها مقتضية لِصحّة البيع ؟
قوله : فقال : " لا ، هو حَرام " أي : البيع ، هكذا فَسّره بعض العلماء ، كالشافعي ومَن اتّبعه ، ومنهم مَن حَمَل قوله : " هو حرام " على الانتفاع ، فقال : يَحْرُم الانتفاع بها ، وهو قول أكثر العلماء ، فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلاَّ ما خُصّ بِالدليل ، وهو الجلد المدبوغ .
واختلفوا فيما يتنجّس مِن الأشياء الطاهرة ؛ فالجمهور على الجواز ، وقال أحمد وابن الماجشون : لا يُنْتَفع بشيء مِن ذلك .
واستدلّ الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن مَن مَاتَتْ له دابة سَاغ له إطعامها لِكِلاب الصيد ، فكذلك يَسوغ دَهن السفينة بِشَحْم الميتة . اهـ .
والله تعالى أعلم .