السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
شيخي الفاضل هل صحيح أنه توجد أوقات منهي النوم فيها وإذا كان يوجد فماهي هذه الأوقات جزاكم الله خيرا ؟



الجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا

نَهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النوم قبل صلاة العشاء ، ففي حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه : وكان يستحب أن يُؤخِّر مِن العشاء التي تدعونها العَتمة ، وكان يَكره النوم قبلها ، والحديث بعدها . رواه البخاري ومسلم .
قال ابن عبد البر : وأهل العلم لا يرون النوم قبل العشاء ولا الحديث بعدها .
وقال : وكان عمر بن الخطاب يُشَدّد في ذلك . اهـ .
وسبب ذلك خشية فوات صلاة العشاء جماعة ، أو خروج وقتها إذا كان ممن لا تلزمه الجماعة .
قال ابن عبد البر : روى شعبة قال : سألت الحكم عن النوم قبل صلاة العشاء في رمضان ؟ فقال : قد كانوا ينامون قبل صلاة العشاء .

وروى سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه كان يقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلتين ، وينام ما بين المغرب والعشاء .

وعن ابن عمر أنه كان يَرْقُد قبل الصلاة العشاء الآخرة ويُوكل مَن يُوقِظه .

وحَكَى ابن بطّال الخلاف في النوم قبل العشاء فقال : واختلف السلف في النوم قبلها ، ثم قال بعد حكاية الخلاف : وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه ، وعن أبى موسى ، وعبيدة مثله ، وعن عروة ، وابن سيرين والحكم أنهم كانوا ينامون نومة قبل الصلاة ، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك ، وقال به بعض الكوفيين واحتج لهم الطحاوي ، وقال : إنما كُرِه النوم قبلها لمن خُشي عليه فوت وقتها ، أو فَوت الجماعة فيها ، وأما من وَكل لنفسه مَن يُوقظه لِوقتها ، فَمُبَاح له النوم ، واحتجوا بِفِعْل ابن عمر ، وأبى موسى ، وعبيدة ، فَدَلّ أن النهى عن النوم قبلها ليس هو نَهْي تحريم لِفِعْل الصحابة له ، لكن الأخذ بظاهر الحديث أنْجَى وأحوط . اهـ .

وقال ابن رجب : ونَصّ أحمد على جواز النوم قبل العشاء - نقله عنه حنبل - ، وقال عبد الله : سألت أبي عن الحديث الذي نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن النوم قبل العشاء الآخرة ؟ فقال : كان ابن عمر يَنام قبل العشاء ويُوكل مَن يُوقظه مِن نَومه .

وحكى الترمذي في ( جامِعِه ) عن بعضهم أنه رَخّص في النوم قبل العشاء في رمضان خاصة .
وهذا مأخوذ مما روى إبراهيم ، عن الأسود ، أنه كان ينام في رمضان ما بين المغرب والعشاء ، ولعل مَن خَصّ ذلك برمضان رأى أن قيام ليله يُستحب مِن أول الليل بخلاف سائر الشهور ؛ فإن المستحب فيها التهجد بعد هجعة بعد صلاة العشاء . اهـ .

وكَرِه بعض العلماء النوم بعد العصر .
قال الطحاوي في شرح قوله عليه الصلاة والسلام : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهله وماله " : وفي هذا الحديث مما يجب أن يُوقَف عليه ، وهو إباحة النوم بعد العصر إذ كان بعض الناس ذلك عنده مكروه .
ثم روى الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " بإسناده إلى عبد الله بن يوسف ، قال : رأيت الليث بن سعد وقد راح إلى المسجد قريبا من صلاة المغرب ، فقال له بكر بن مضر : ما لي أراك يا أبا الحارث مُهَيَّج الوَجْه ، فقال : إني صليت صلاة العصر ثم انصرفت إلى مَنْزِلي فَنِمْت ، ثم رحت هذه الساعة ، فقال له بكر : أوَ مَا قد عَلِمت ما قد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم بعد العصر ؟ فقال الليث : لا فقال بكر : حدثني عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من نام بعد العصر فاخْتُلِس عَقله فلا يلومن إلاّ نفسه " ، فقال الليث : ما سمعت بهذا مِن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان هذا الحديث مُنْقَطِعًا . وكان ما رويناه قَبْلَه أولى منه لاتِّصَاله بِرَسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " والبيهقي في " شُعب الإيمان " عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال : النَّوْمُ ثَلاثَةٌ: فَنَوْمٌ خُرْقٌ ، وَنَوْمٌ خُلُقٌ ، وَنَوْمٌ حُمْقٌ , فَأَمَّا نَوْمَةُ الْخُرْقِ فَنَوْمَةُ الضُّحَى ، يَقْضِي النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ وَهُوَ نَائِمٌ , وَأَمَّا نَوْمَةُ خُلُقٍ فَنَوْمَةُ الْقَائِلَةِ نِصْفَ النَّهَارِ , وَأَمَّا نَوْمَةُ حُمْقٍ فَنَوْمَةٌ حِينَ تَحْضُرُ الصَّلَوَاتُ .
وروى ابن أبي شيبة والطحاوي عن خوات بن جبير رضي الله عنه قال : نوم أول النهار خُرق ، ووسطه خُلق ، وآخره حُمق .
وروى الطحاوي بإسناده إلى النعمان بن منذر قال : كنت نائما بعد العصر بِدَابق ، فأتاني مكحول فَرَكَسَني بِرِجْلِه رَكْسَة ، ثم قال : قُم فقد عُوقِبت ، قلت : وما ذاك يا أبا عبد الله ؟ قال : إن هذه الساعة فيها خروج القوم ، وفيها انتشارهم ، يعني الجن ، وفي هذه الرقدة تكون الخبلة .

وأما حديث : " من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلاَّ نفسه " فهو حديث ضعيف .
قال ابن الجوزي : هذا حديث لا يَصِحّ .
وضعّفه الألباني .
ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن النوم بعد الأكل .
قال ابن القيم في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأكل : وذكر أبو نُعيم عنه أنه كان ينهى عن النوم على الأكل ، ويُذْكَر أنه يُقَسّي القلب . اهـ .
وهذا رواه ابن الجوزي في " الموضوعات " بِلفظ : " أذِيبُوا طعامكم بِذِكْر الله عز وجل والصلاة ، ولا تَنَامُوا عليه فَتَقْسُو له قلوبكم ". ثم قال : هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكَرِه السَّلَف الـنَّـوم بعد الفَجْر .

روى الطبراني بإسناد صحيح إلى أبي وائل قال : سألت ابن مسعود ذات يوم بعد ما انصرفنا من صلاة الغداة فاستأذنّا عليه ، قال : ادخلوا ، فقلنا ننتظر هنية لعل بعض أهل الدار له حاجة ، فأقْبَل يُسَبِّح ، فقال : لقد ظننتم بآل عبد الله غفلة ! ثم قال : يا جارية انظري هل طلعت الشمس ، قالت : لا ، ثم قال لها الثانية : انظري هل طلعت الشمس ، قالت : لا ، ثم قال لها الثالثة : انظري هل طلعت الشمس . قالت : نعم ، قال : الحمد لله الذي وَهَب لنا هذا اليوم وأقَالَنا فيه عَثَرَاتنا - وأحسبه قال - ولم يُعَذّبنا بالنار .
وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه قال : كان الزبير يَنْهَى بَنِيه عن التَّّصَبّح . قال : وقال عروة : إني لأسمع بالرَّجُل يَتَصَبّح فأزهد فيه .
وروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : مَرّ بي عَمرو بن بليل وأنا مُتَصَبح في النخل ، فَحَرّكَني بِرِجْله فقال : أترقد في الساعة التي ينتشر فيها عباد الله ؟
وروى عن خالد بن أبي بكر عن عبيد الله قال : كان سالم لا يَتصبح ، وكان يَقيل .
قال ابن أبي شيبة : التصبح نَوْمَة الضُّحَى .

وأما حديث : " إن الصبحة تمنع بعض الرزق " فهو حديث ضعيف .
رواه الطحاوي بإسناده ثم قال : غير أن أهل الإسناد يُضَعِّفُون هذا الإسناد . اهـ .
وقال ابن الجوزي : هذا حديث لا يَصِحّ .
وقال الألباني : ضعيف جدا .

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ / عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
عضو مكتب الدعوة والإرشاد